عبد الكريم الخطيب
458
التفسير القرآنى للقرآن
- وقوله تعالى : « فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ » . . . أي فاجعلوا عبادتكم لي وحدي ، لا تشركون بعبادتي أحدا . . . والفاء في قوله تعالى : « فَإِيَّايَ » تفيد السببية . . حيث كشف قوله تعالى : « إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ » عن إضافة هذه الأرض إلى اللّه سبحانه ، كما كشف عن سعة هذه الأرض ، وأن أي مكان ينزل منها الإنسان فيه ، هو في ملك اللّه . . . وإذ كان ذلك كذلك ، وجب أن يفرد وحده سبحانه بالعبادة ، كما أفرد جل شأنه بالملك . . . هذا ، والآية الكريمة دعوة سماوية إلى تحرير الإنسان ، جسدا ، وعقلا ، وقلبا ، وروحا ، من كل قيد مادي ، أو معنوي ، يعطل حركته ، أو يعوق انطلاقه ، أو يكبت مشاعره ، أو يصدم مشيئته ، أو يقهر إرادته . . . ففي أي موقع من مواقع الحياة ، وعلى أي حال من أحوالها ، لا يجد فيه الإنسان وجوده كاملا محررا من أي قيد ، ثم لا يعمل جاهدا على امتلاك جريته كاملة - يكون ظالما لنفسه ، معتديا على وجوده . . . وإذا كانت دعوة الإسلام قد جاءت لتحرير الإنسانية من ضلالها ، وفرضت على المؤمنين أن يجاهدوا الضلال والضالين ، وأن يبذلوا في سبيل ذلك دماءهم وأموالهم ، فإن الجهاد الحق في أكرم منازله ، وأعلى درجاته ، هو الجهاد في تحرير المؤمن نفسه أولا ، وفي تخليصها من كل قيد يمسك بها على مربط الذل والهوان ، ويحملها على أن تطعم من مطاعم الذلة والمهانة ، وفي هذا يقول اللّه تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ! ! قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً » ( 97 : النساء ) . .